من الموقف السياسي إلى الشراكة الاقتصادية.. الشيلي تفتح صفحة جديدة مع المغرب والصحراء

متابعة /صحراء البوم

يبدو أن العلاقات المغربية الشيليّة مقبلة على مرحلة جديدة تتجاوز حدود التقارب السياسي والدبلوماسي، بعدما حمل البلاغ المشترك الموقع بين الرباط وسانتياغو في نيويورك مؤشرات واضحة على توجه البلدين نحو توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، بالتزامن مع إعلان الشيلي دعمها لسيادة المغرب على كامل ترابه، بما في ذلك منطقة الصحراء.

وجاء هذا التطور خلال اللقاء الذي جمع، الاثنين 21 شتنبر الجاري، وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره الشيلي فرانسيسكو بيريز ماكينا، على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بحضور الرئيس الشيلي خوسي أنطونيو كاست، في سنة يحتفل خلالها البلدان بمرور 65 عاماً على إقامة علاقاتهما الدبلوماسية.

اتفاق تجاري يفتح مرحلة جديدة

ولعل أبرز ما ميز اللقاء المغربي الشيلي كان توقيع الوزيرين على الوثيقة المرجعية التي ستشكل أساساً لانطلاق المفاوضات بشأن اتفاق للتجارة الحرة بين البلدين، في خطوة تعكس رغبة مشتركة في الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية إلى مستوى أكثر تقدماً.

ولا يتعلق الأمر باتفاق نهائي للتجارة الحرة، وإنما بإرساء الإطار الذي يسمح ببدء المفاوضات بشأنه، وهو ما يجعل الخطوة الحالية بمثابة نقطة انطلاق لمسار تجاري جديد بين المغرب والشيلي.

ويكتسي هذا المسار أهمية بالنسبة للجانب الشيلي، الذي ينظر إلى المغرب باعتباره بوابة يمكن من خلالها توسيع الحضور التجاري نحو القارة الإفريقية، في وقت شهد فيه التبادل التجاري بين البلدين نمواً خلال السنوات الأخيرة.

الصحراء تدخل صلب التعاون الاقتصادي

الجديد في الموقف الشيلي لا يتوقف عند الإعلان السياسي، إذ تضمن البلاغ المشترك التزاماً واضحاً بترجمة هذا الموقف على المستوى الثنائي من خلال تعزيز فرص التعاون الاقتصادي والتجاري في منطقة الصحراء المغربية.

وأكدت الخارجية التشيلية أن بلادها ستعمل على تشجيع فرص التعاون في مجالات الاستثمار والتجارة والتنمية الإنتاجية، بما يعني أن الموقف المعلن بشأن سيادة المغرب على كامل ترابه يرتبط أيضاً برؤية عملية للعلاقات الاقتصادية المستقبلية.

وهكذا، ينتقل التعاون بين الرباط وسانتياغو من الإطار الدبلوماسي العام إلى مجالات ذات طبيعة عملية، تشمل الاستثمار والمبادلات التجارية والمشاريع الإنتاجية، مع إدراج الأقاليم الجنوبية ضمن مجال التعاون الاقتصادي الثنائي.

دعم لمقترح الحكم الذاتي

وعلى المستوى السياسي، أعلن الجانب الشيلي دعمه لسيادة المملكة المغربية على كامل ترابها، بما في ذلك منطقة الصحراء، كما اعتبر المبادرة المغربية للحكم الذاتي المقدمة سنة 2007 أساساً لحل سياسي وصفه البلاغ بأنه عادل ودائم ومقبول من الأطراف، وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

كما رحبت الشيلي بالقرار رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن سنة 2025، وأعلنت انضمامها إلى الدعوة لإجراء مفاوضات دون شروط مسبقة، على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي.

ويجمع البلاغ بذلك بين ثلاثة مستويات متوازية: موقف سياسي بشأن قضية الصحراء، وتوجه دبلوماسي يرمي إلى تعميق العلاقات الثنائية، ومسار اقتصادي يسعى إلى توسيع الاستثمار والتجارة بين البلدين.

65 سنة من العلاقات.. ورهان على المستقبل

ويأتي هذا التحول في العلاقات المغربية الشيليّة في الذكرى الخامسة والستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهي مناسبة استحضر خلالها الطرفان ما وصفاه بعلاقات قائمة على الصداقة والاحترام المتبادل.

ويمنح إطلاق مسار التفاوض حول اتفاق للتجارة الحرة بعداً اقتصادياً جديداً لهذه العلاقات، خصوصاً في ظل رغبة البلدين في تنويع الشراكات التجارية وفتح أسواق جديدة.

وبالنسبة للمغرب، فإن توسيع التعاون مع دولة من أمريكا الجنوبية يمكن أن يعزز حضوره الاقتصادي في المنطقة، بينما ترى الشيلي في تعميق العلاقة مع المملكة فرصة لتطوير مبادلاتها مع سوق إفريقية ذات موقع استراتيجي.

من الاعتراف بالموقف إلى تنزيله اقتصادياً

ويكتسي التطور الأخير أهمية خاصة لكون البلاغ لم يكتف بتسجيل الموقف الشيلي بشأن قضية الصحراء، بل ربطه بإجراءات ذات طبيعة اقتصادية، من خلال الدعوة إلى تعزيز الاستثمار والتجارة والتنمية الإنتاجية في الصحراء المغربية.

وبذلك، تفتح الرباط وسانتياغو صفحة جديدة في علاقاتهما، عنوانها توسيع الشراكة الاقتصادية، بينما يشكل مسار اتفاق التجارة الحرة المرتقب أحد أبرز الاختبارات المقبلة لترجمة التقارب السياسي والدبلوماسي إلى مشاريع ومبادلات تجارية واستثمارية ملموسة.

وتبقى الخطوة الحالية بداية لمسار تفاوضي، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة بشأن مضمون الاتفاق التجاري، والقطاعات التي سيشملها، وآليات تنزيل التعاون الاقتصادي بين البلدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Secret Link